ابن رشد
208
الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة
ففي تأويل هذا أيضا نظر : أعني عند الصنف الذين يدركون أنه إن كان مثالا فلما ذا هو ، وليس يدركون أنه مثال إلا بشبهة وأمر مقنع ، إذ ليسوا من العلماء الراسخين في العلم . فيحتمل أن يقال إن الأحفظ بالشرع ألا تتأول هذه وتبطل عند هؤلاء الأمور التي ظنوا من قبلها أن ذلك القول مثال ، وهو الأولى . ويحتمل أيضا أن يطلق لهم التأويل لقوة الشبه الذي بين ذلك الشيء وذلك الممثل به . إلا أن هذين الصنفين متى أبيح التأويل فيهما تولدت منها اعتقادات غريبة وبعيدة من ظاهر الشريعة ، وربما فشت فأنكرها الجمهور . وهذا هو الذي عرض للصوفية ولمن سلك من العلماء هذا المسلك . [ 377 ] ولما تسلط على التأويل في هذه الشريعة من لم تتميز له هذه المواضع ، ولا تميز له الصنف من الناس الذين يجوز التأويل في حقهم اضطرب الأمر فيها وحدث فيهم فرق متباينة يكفر بعضهم بعضا . وهذا كله جهل بمقصد الشرع ، وتعد عليه . [ 378 ] وأنت فقد وقفت من قولنا على مقدار الخطأ الواقع من قبل التأويل . وبودنا أن يتفق لنا هذا الغرض في جميع أقاويل الشريعة . أعني أن نتكلم فيها بما ينبغي أن يؤول أو لا يؤول ، وإن أوّل فعند من يؤول ، أعني في جميع المشكل الذي في القرآن والحديث ، ونعرف رجوعها كلها إلى هذه الأصناف الأربعة . [ 379 ] والغرض الذي قصدناه في هذا الكتاب فقد انقضى . وإنما قدمناه لأنا رأيناه أهم ( 74 / ظ ) الأغراض المتعلقة بالشرع . واللّه الموفق للصواب والكفيل بالثواب بمنه ورحمته . [ 380 ] وكان الفراغ منه في سنة خمس وسبعين وخمسمائة .